مقدمة:

بعد مضي أكثر من عقد على الصراع السوري انهارت الاوضاع في سوريا بكافة مناطقها ومن كل جوانبها العسكرية والأمنية والاقتصادية الى مستوى متردي جدا، وغير مبشّره بتحسن أو انفراجة قريبة، وبات حكم الأمر الواقع في كل منطقة، هو العنوان لتفاصيل ومقاليد الحياة فيها، وبالتالي الأثر المباشر السلبي على المجتمع بشكل خاص، كما أن الواقع الحالي غير مرض لعدد كبير من الفئات الاجتماعية في المناطق السورية على تعدد مواقعها والإدارات التي تقودها، وهذا فرض واقعا جامدا ليس فقط على مستوى الحل، بل على مستوى عدم قدرة المجتمعات على القيام بأي خطوة قد تكون إيجابية من من أجل المجتمع( السوري)، وفيمايلي سنقدم لمحة عن هذا الواقع السوري الحالي.

عسكرياً:

لم تُظهِر خريطة النفوذ العسكري في سورية أي تغيير في حدود السيطرة وخطوط التماس بين القوى المحلية على الأرض، وبقيت نسب السيطرة ثابتة كلياً بين أطراف النزاع في سورية، والتي تمَّ تسجيلها نهاية شباط 2020، حيث توزعت السيطرة وفق التالي:

  • تسيطر فصائل المعارضة على 11 % من الجغرافية السورية، وتتوزع في إدلب وشمال حلب، وفي منطقة تل أبيض ورأس العين في الرقة والحسكة، وكذلك في منطقة التنف (المنطقة 55) في جنوب شرق سوريا.

ففي إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي( منطقة خفض التصعيد) تسيطرهيئة تحرير الشام بعد طردها أو القضاء على عديد الفصائل السورية المعارضة لها في منطقة سيطرتها، والتي كانت توسم بالمعتدلة من قبل المجتمع الدولي، وتقوم الهيئة على إدارة المنطقة مدنيًا عبر حكومة (الإنقاذ) التي توصف بأنها “الذراع الخدمي” لها. أما في الشمال والشمال الغربي والشرقي يسيطر “الجيش الوطني” المدعوم من قبل القوات التركية على ريف حلب الشمالي مثل اعزاز وعفرين، وريف المحافظة الشرقي في جرابلس، والباب ورأس العين في الحسكة، وتل أبيض في ريف الرقة، وتقوم إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني المدعوم من تركيا، وفق نظام المجالس المحلية؛ التي تتحكم بمختلف مناحي الحياة الخدمية.

  • النظام السوري وحليفيه الروسي والايراني يسيطرون على 63% من الجغرافية السورية، وهي سيطرة شبه تامة على محافظات الساحل والوسط وجنوب سوريا، وعلى أجزاء من المحافظات الشرقية ومحافظة حلب، وأصبحت سيطرته تامةعلى محافظة درعا بعد عملية تصعيد بدأها على المحافظة في تموز 2021، وعلى الرغم من خضوع بعض المناطق السورية لتسويات عقب تقدم النظام السوري إليها بدعم من حليفيه، إلا أن مجموعات محلية لا تزال المسيطر الفعلي عليها حتى يومنا هذا، وهو ما حصل في درعا، فبعض تلك المناطق شهدت انفلاتاً وتوترات متكررة مع أفرع النظام الأمنية، فضلاً عن الحراك المعارض الذي بقي مستمراً لدى العديد ممن فضل البقاء على الانتقال نحو الشمال السوري.

في حين تمثّل محافظة السويداء الواقعة في الجنوب السوري حالة خاصة إذ يتحكم النظام بالمؤسسات الخدمية وله وجود أمني، لكن اتفاقاً أهلياً يسود على منع زج الشبان من أبنائها بالخدمة العسكرية، بالإضافة إلى تأثير واضح للوجهاء المحليين في تقليم أظافر النظام ومنعه من اعتقال مناوئيه في المنطقة، على الرغم من التصعيد الاخير في المنطقة ولكنه يبقى ضمن الحدود المسيطر عليها.

  • قوات سوريا الديمقراطية ( قسد) تسيطر على 25% من الجغرافية السورية، وتشمل أجزاء واسعة من محافظة دير الزور والرقة والحسكة، وأجزاء من محافظة حلب الشمالية الشرقية، وتسيطر الإدارة الذاتية (الذراع المدني لـ قسد)، المدعومة من قبل واشنطن على مختلف مناحي الحياة في مناطق متفرقة من الجزيرة العربية، كما تتحكم الإدارة الذاتية بمعظم آبار النفط في المنطقة الشرقية، ما يجعلها المنبع الرئيس لمدّ مناوئيها وحلفائها بمستلزمات الطاقة، سواءً من خلال عمليات تجارية مع مناطق المعارضة أو عبر تهريب النفط بطرق “غير مشروعة” إلى مناطق نفوذ النظام.
  • لم يَعُدْ لتنظيم “داعش” أيّة سيطرة عسكرية مطلقة على الأرض السورية منذ شباط 2019، لكن انتهاء السيطرة العسكرية المطلقة للتنظيم لم تمنع عودةَ خلاياه للنشاط ضد قوات النظام والقوات الروسية والإيرانية الموالية له، وخاصة في البادية السورية، فقد تمَّ رصد نشاط التنظيم بعمليات عسكرية في منطقة “السعن” و”جبل البشري” و”خناصر” ومنطقة “السخنة” وفي محيط مدينة “تدمر”، وفي الريف الجنوبي لمحافظة “دير الزور”، إضافة لبعض العمليات في مناطق سيطرة “قسد” شرق الفرات، ورغم الإعلان عن القضاء على “داعش” إلا أنّ مخالب التنظيم لا تزال موجودة في البادية السورية، ويشن شهرياً عشرات الهجمات على مواقع للنظام وأخرى لـ “قسد”، ويرسل المفخخات إلى مناطق نفوذ “هيئة تحرير الشام” في إدلب، و”الجيش الوطني” في ريف حلب، لينتقم ممن يصنفهم على قائمة الأعداء ضمن عمليات عسكرية محددة غير مركزية تقوم على خطة “الذئاب المنفردة”، التي تضرب وتهرب، مع استمرار واشنطن في عملياتها الأمنية ضد خلفائه وخلاياه ومواقعه الخفية، والتي كان ابرزها العملية التي استهدفت قائد تنظيم داعش ” أبو إبراهيم الهاشمي القرشي” خليفة البغدادي في قرية أطمة في منطقة ادلب شمال غرب سوريا والتي اسفرت عن مقتله مع افراد اسرته بينهم نساء واطفال.

وعلى الرغم من ثبات مناطق السيطرة العسكرية لأطراف النزاع بسوريا منذ أكثر من 26 شهرا، بسبب التزام جميع الاطراف بوقف إطلاق النار في إطار مذكّرة موسكو التي تم توقيعها بين تركيا وروسيا في 5 آذار 2020، والاتفاقات الدولية ، إلا أنه تم توثيق العديد من الخروقات (قصف متبادل- غارات جوية- محاولات تسلل واشتباكات) على خطوط التماسّ ضمن منطقة خفض التصعيد وفي جبهات “تل رفعت” في ريف حلب الشمالي، وكذلك التوتر المستمر في جبهات “عين عيسى” في الرقة بين الطرفين التركي وفصائل المعارضة المدعومة منه وقوات قسد.

وفي غياب ارادة ورغبة اقليمية ودولية حقيقية لايجاد حل للازمة السورية عقب سنوات الصراع الطويلة، وتعنت غالبية اطراف الصراع وعدم التوافق على حل يرضي جميع أطراف الصراع المحلية والاقليمية والدولية بالدرجة الاولى بالرغم من اللقاءات والاجتماعات المتكررة، وعلى الرغم من التصعيد السياسي التركي والتصريحات الاخيرة بنيتها القيام بعمل عسكري باتجاه مناطق عين عيسى وتل رفعت وتل ابيض ومنبج على طول الشريط الحدودي التركي السوري، مستفيدا من التوتر الدولي والحرب الروسية الاوكرانية والمصالح المتبادلة بين اطراف الصراع الاقليمية وبالتالي تحقيق أكبر المكاسب الممكنة في المنطقة حتى الوصول الى الغاية التركية وهي العمق الامني التركي حتى 30 كم على طول الشريط الحدودي، وايضا بحجة انشاء منطقة امنة برعاية ودعم دولي تكون كافية وقادرة على استيعاب اللاجئين وتشكيل ملاذ آمن لهم تشجعهم على العودة، بغية التخفيف من حدة توتر الشارع التركي الداخلي ضد قضية اللاجئين، ولكن حتى اللحظة اعداد التقرير بقيت ألوان مناطق النفوذ ثابتة بين المعارضة والنظام وقوات سوريا الديمقراطية، كما هو موضح بالخريطة ادناه:

أمنياً:

مناطق المعارضة:

وتشمل المناطق الخاضعة للإشراف التركي وهي ثلاث مناطق رئيسة تُعرف بأسماء الحملات العسكرية السورية التركية التي أسهمت بتحريرها، وهي حسب أسبقية التحرير: منطقة درع الفرات، منطقة غصن الزيتون، منطقة نبع السلام، وتنتشر في مناطق شمال غرب سوريا الخاضعة للإشراف التركي إدارياً ما يقارب 122 نقطة وقاعدة عسكرية تركية، تتوزع بين نقاط عسكرية وقواعد عسكرية ونقاط مراقبة تركية، ويلاحظ استمرار تركيا في تعزيز وجودها العسكري ضمن المنطقة؛ حيث باتت النقاط والقواعد العسكرية تشكل خطوط صدّ أو دفاع على طول خطوط التماس مع النظام السوري أو مع قوات قسد.

ويعد الملف الأمنيَ أحد أبرز التحديات التي تواجهها مناطق سيطرة المعارضة العسكرية في الشمال السوري، والتي تحاول القوى المسيطرة إيجاد حلول لها، ضمن بيئة مضطربة أمنياً، بسبب تعدد الجهات المسيطرة وتباين المصالح، إضافة إلى التدخلات الإقليمية، وبالتالي تقديم نفسها ومناطق سيطرتها بالشكل اللائق والمرضي عنه محليا واقليميا، وتقديم بديل افضل من النظام السوري وغيره من اطراف النزاع الموجودة على الساحة السورية، ووفقا لهذه الاولوية شهدت مناطق سيطرة الجيش الوطني السوري تحسنا نوعا ما في الحالة الأمنية، وان لم يكن بالمستوى المرجو، وساعد على ذلك جملة من العوامل أبرزها زيادة التنسيق بين الفصائل واندماجها ضمن 3 كتل رئيسية، وعمل كتلتين بارزتين منها تحت مظلة غرفة قيادة مشتركة، لكن بقيت عملية التنسيق رهنا بالظروف التي تسود العلاقات بين الفصائل، بالإضافة إلى حالة الاستقرار العسكري، كما شهدت مناطق نفوذ الجيش الوطني عدة محاولات لاصلاح القطاع الامني، بهدف التصدي للتهديدات الداخلية والخارجية، ولعل ْ أبرز نموذجين في هذا السياق هما، الشرطة العسكرية وإدارة القضاء العسكري، والمكتب الامني لغرفة القيادة الموحدة ( عزم) .

إلا أن هذا الواقع الامني وإشكالياته مرتبط بشكل وثيق بالمشهد العام، أي أن عدم الوصول إلى النموذج المرغوب به للمؤسسة الامنية المنشودة هو انعكاس لعدم تحول الفصائل المسلحة بشكل فعلي وحقيقي إلى مؤسسة تحمل تسلسلا هرميا واضحا بحيث يبقى الجيش مفرغاً للمهام المنوطة بالجيش، وهي حماية الحدود الخارجية، دون إقحام نفسه في مسألة الحوكمة والادارة الامنية، ويتواجد في هذه المناطق 18 مجلساً محلياً مركزياً، تتبع لها مجالس بلدية فرعية، وهي مجالس تختلف في بنيتها الإدارية وتبعيتها، وتقوم هذه المجالس بمهام تنظيمية وبتأمين الخدمات، من كهرباء ومياه وصرف صحي وطرق ومواصلات، وتنظيم عمل المنظمات والجمعيات والقطاع الخاص، وقد اعتمدت هذه المجالس المحلية في بداية تشكيلها على  الدعم الخارجي الذي كانت تقدمه المنظمات الحكومية وغير الحكومية الإقليمية والدولية، إلى جانب الدعم التركي، خاصة في المراحل الأولى لتشكيلها، إلا أن المورد الرئيس للمجالس في الوقت الحالي من الأموال المخصصة لها من حصة المعابر الحدودية بين مناطقها وتركيا “الراعي وجرابلس وباب السلامة” بالإضافة إلى الضرائب والرسوم المحلية التي تفرضها المجالس على السكان المحليين، وهي ضرائب خدمية كالضرائب المفروضة على المياه والنظافة والترخيص التجاري والسجل المدني، ايضا استمرار الفصائلية القائمة على عوامل محلية وعشائرية أو حتى عائلية في بعض الاحيان من شأنه تكريس حالة تضارب المصالح وبالتالي الفوضى الامنية، بالاضافة الى الاختراق الأمني الداخلي الذي يظهر بوصفه مشكلة عامة في جميع المدن والمناطق على حد سواء،  ناهيك عن تعرض المنطقة لعمليات قصف من خارجها من مناطق سيطرة نظام الأسد، أو القواعد الروسية في المنطقة، أو مناطق سيطرة “قسد” ، حيث تتنوع أشكال القصف بين القذائف المدفعية والصواريخ والغارات الجوية التي تنفذها طائرات روسية، بالاضافة الى التفجيرات وعمليات الاغتيال والعبوات الناسفة، وحوادث الاقتتال الداخلي المسلح بين الفصائل أو حتى بين المدنيين، نتيجة الفوضى في انتشار وضبط السلاح، وايضا تزايد عمليات الاغتيال التي طالت شخصيات ناشطة أو موظفين في بعض المراكز المهمة، إضافة إلى عمليات الخطف مقابل الحصول على الفدية أو للمبادلة بأسرى من اطراف أخرى فيما بعد، بالإضافة إلى وجود خلايا أخرى تعمل لصالح نظام الأسد وتقوم بإعطاء إحداثيات ومواقع الجيش الوطني،

وعلى الطرف الآخر من مناطق سيطرة المعارضة وهي مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، ورغم الوجود العسكري التركي ايضا في مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” وفقا للاتفاقية الموقعة بين أنقرة وموسكو عام 2020 ، فما تزال منطقة إدلب تتعرض بشكل دوري للقصف والغارات الجوية التي أوقعت أعداداً كبيرة من المدنيين بين قتيل وجريح بالاضافة الى الخسائر المادية، على الرغم من الحشود العسكرية التركية المتواجدة والتعزيزات المستمرة الى نقاط ومواقع تمركزها، وبالتالي فإن هذه التفاهمات الهشّة والتي تتعرض للكثير من الانتهاكات قد تنهار في أي وقت، لاسيما مع تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا والخلافات الاقليمية التي من الممكن ان تكون ردود فعلها وصداها في المنطقة، وهو ما يعني موجات نزوح داخلي كثيفة وضخمة يمكن أن تزعزع أمن المنطقة واستقرارها مجدداً، بالمقابل تتفوق هذه المنطقة على مناطق سيطرة الجيش الوطني في الشمال السوري من الناحية الامنية وانخفاض مستوى الاضطرابات المجتمعية وحوادث الاغتيال والتفجير وغيرها بوجود القوى الامنية التابعة للهيئة وحكومة الانقاذ الشق الاداري المدني للهيئة وماتمتع به من تنظيم واسلوب عمل مغاير وسلطة واحدة نافذة ومنفذة في المنطقة، وبالتالي ماذكر من تناحرات ومحسوبيات سابقة بين الفصائل في الشمال السوري ربما يكون شبه معدوم في منطقة خفض التصعيد بوجود هيئة تحرير الشام السلطة الحاكمة الوحيدة في المنطقة والتي تعمل باستمرار على القضاء واجتثاث على كافة الفصائل الاخرى سواء المخالفة في المنهج والفكر او حتى اسلوب الحكم.

وعلى الرغم من تكثيف التحالف الدولي عملياته في استهداف قياديين ضمن المجموعات “الجهادية”، يبقى لافتاً أن هيئة “تحرير الشام” وعناصرها لم يتعرضوا لأي محاولة اغتيال، ما أثار تساؤلات عدة عن تراجع استهدافهم قياساً بجماعات “جهادية” أخرى، خاصة تلك التي انضوت في غرفة عمليات جديدة تحت مسمى “فاثبتوا”، والتي دخلت فور إعلانها في خلافات مع هيئة “تحرير الشام”، تطورت لاحقاً إلى اعتقال الهيئة بعضاً من قيادات التشكيل الجديد، ومن ثم اشتباكات تم احتوائها بشكل مؤقت.

بالمقابل، تصاعدت عمليات استهداف القوات التركية في إدلب بشكل ملحوظ، خاصة مع بدء تسيير الدوريات المشتركة الروسية-التركية على الطريق الدولي M4، حيث تشير طبيعة تلك العمليات والأدوات المستخدمة فيها إلى استهداف خاص لتلك القوات في نقاط تحركهم المحددة، ولعل اللافت في تلك العمليات ظهور جماعات “جهادية” جديدة تبنّت تنفيذها (كتائب خطاب الشيشاني، سرية أنصار أبي بكر الصديق)، تلك التي لم تكن معروفة أو موجودة من قبل على الخارطة العسكرية للمنطقة، بما يوحي وكأنها ظهرت لتتبنى هذا النوع من العمليات، كما تزامنت تلك الاستهدافات في إدلب مع زيادة النشاط الأمني لمجموعة تطلق على نفسها اسم: “تحرير عفرين”، والتي تبنت بعض العمليات ضد القوات التركية في عفرين، وهي مجموعة لم يكن لها نشاط ملحوظ سابقاً قياساً بغرفة عمليات “غضب الزيتون”، ويهدف كل هذا الى التضييق على هذا الوجود ومحاولة دفعه للانسحاب عبر تصعيد العمل الأمني، خاصة مع تراجع العمليات العسكرية التقليدية والثبات النسبي للجبهات، ما أفسح المجال أمام زيادة النشاط الأمني لقوى متعددة قد تتقاطع مصالحها وأهدافها في تلك العمليات، خاصة وسط مناطق انتشار القوات التركية والتي تعد بيئة أمنية معقدة بلاعبين متعددين؛ منهم خلايا حزب الاتحاد الديمقراطي”PYD”، إضافة لخلايا تنظيم الدولة “داعش”، مقابل النظام وحلفائه، خاصة المليشيات الإيرانية التي استثنيت من التفاهمات الروسية-التركية التي حكمت أجزاء من الشمال، ناهيك عن بعض المجموعات “الجهادية” الرافضة لتلك التفاهمات.

يمكن القول: إن المشكلة الأمنية تُعد مشكلة جدّية يجب على القائمين عليها وعلى الإدارات التركية المشرفة على المنطقة إيلاؤها الأولوية؛ لأنها العامل الرئيس في تعزيز عملية الاستقرار، وجذب الاستثمارات الاقتصادية، وتشجيع المنظمات على العمل والمساهمة في تمويل مشاريع التعافي المبكر، كما أنها ستكون عاملاً رئيساً يشجع الكثير من اللاجئين السوريين ومن أبناء المنطقة وسكانها الأصليين على البقاء فيها أو العودة إليها والمساهمة في بنائها وتطويرها.

في مناطق النظام السوري:

يتواصل مسلسل الفوضى المصحوب بالانفلات الأمني في عموم الجغرافية السورية وضمن مناطق سيطرة النظام السوري في ظل ما آلت إليه الأوضاع في سوريا من انعدام لأدنى مقومات الحياة وغياب للرقابة الأمنية، ولايزال معدل الجرائم يتصاعد يوما بعد يوم، فمن مدينة حلب شمالاً حتى محافظة درعا جنوباً وصولاً إلى محافظة دير الزور شرقي البلاد، يرزح  السوريون تحت وطأة أوضاع معيشية صعبة وواقع أمني مرير هو الأكثر تدهوراً في سنوات الثورة، فعند مقارنة الأوضاع الأمنية والمعيشية في مناطق سيطرة النظام الآن مع الأوضاع ذاتها إبّان سيطرة الجيش السوري الحرّ على تلك المناطق نجد أنّ العامل المشترك في تدهور الأوضاع فيها هو نظام أسد، فهو الذي كان يحاصر المناطق المحرَّرة في السنوات الماضية ويمنع عنها أدنى مقوّمات الحياة، وهو اليوم نفسه بفساده ومن معه من أركان نظامه يسرقون ما تبقّى من ثروات سوريا وأموالها، ليبقي السوريين على حافّة الفقر والعوز غير قادرين حتى على شراء أسطوانة غاز أو رغيف خبز.

حيث أن ميليشيات النظام التي كانت تقتل المدنيين بقصفهم بالبراميل المتفجرّة والصواريخ هي نفسها اليوم تقتلهم من الفقر والجوع وفي أقبية المخابرات بعد الاعتقال التعسفي من على الحواجز المنتشرة بين المدن والبلدات، تغيّرت طرق الموت ونظام الأسد لم يتغيّر، فالجحيم بالنسبة إلى السوررين هو رأس النظام نفسه وكلّ ما سواه تفاصيل، وتشهد محافظتي درعا والسويداء بشكل خاص حالة من الفلتان الأمني المتصاعد، حيث ازدادت سلسلة الخطف والاغتيالات لشخصيات موالية للنظام من جهة وأخرى موالية للجيش الحرّ، كما ازداد التوتّر بين المحافظتَين اثر اندلاع مواجهات مسلَّحة بين أبنائهما بعد أن صنع نظام أسد الفتن الطائفية بينهما، في حين تعيش بقية مناطق سيطرة النظام أوضاع معيشية وأمنية متردية  في ظلّ الانفلات الأمني المتصاعد والمحسوبيات وارتفاع معدَّلات الجريمة، حيث بات الناس عاجزين عن تأمين أدنى مقوِّمات حياتهم اليومية، فهم يضطرون للوقوف في الطوابير لساعات طويلة من أجل الحصول على الغاز والخبز لتحويله إلى مقصد لدوريّاتها لسَوْق الشبّان إلى الخِدمة الإلزامية والاحتياطية، وهو ما جعل من العيش في مناطق سيطرة ميليشيات أسد بالنسبة إلى شريحة كبيرة من السوريين بمثابة الموت الذي يتكرّر في كلّ ساعة وكلّ يوم، خاصّة أنّ تلك الميليشيات تتّخذ من عمليات السطو المسلَّح على المراكز التجارية أسلوباً للحصول على التمويل اللازم لنفسها، وسبيل لابتزاز الشعب.

ولايختلف الوضع كثيرا عما يعيشه موالو النظام وحاضنته في المناطق الساحلية من الاحتقان والغليان؛ نتيجة تدهور القيمة الشرائية لليرة السورية وتفشّي الفقر والبطالة بالتزامن مع الكشف عن فضائح الصراع الاقتصادي داخل جسم النظام بين زوجة رأس النظام وابن خالته في محاولة كلّ طرف سرقة ما بقي من مقدَّرات البلاد، ممّا جعل الموالين يخرجون بمظاهرات ندّدوا فيها بالحالة المعيشية المتدهورة.

كما انه لا يمكن الحديث عن فوضى أمنية وعسكرية في مناطق النظام السوري، دون التطرق إلى الدور الإيراني المباشر فيها، إذ تلعب طهران دورا بارزا في تزكية الصراع بين أجهزة الأمن السورية والمليشيات التابعة لها، حيث تنسق بعض هذه المليشيات مع الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني والمليشيات العراقية، وتدعم إيران المخابرات الجوية والفرقة الرابعة، وتقدم لهما ما يلزم للسيطرة على باقي المنافسين، فيما تحاول روسيا كبح جماح هذه المليشيات عبر الفيلق الخامس وإعادة دمج الفصائل المعارضة ومليشيات النظام ضمن الهياكل العسكرية التقليدية، كما يتسبب الانتشار غير المسبوق للقوات الإيرانية في المناطق الساحلية بالمزيد من السخط، حيث ينزل كبار الضباط الإيرانيين في أفضل الفنادق والشقق المفروشة بسواحل اللاذقية ويستحوذون على طوابق بأكملها في فندق “ميريديان”، وفي شقق مفروشة بالعمارات المطلة على البحر، بينما يمنع السكان المحليون من الوصول إلى تلك المناطق حماية للقيادة الإيرانية.

وعبّر مئات السكان عن سخطهم من استمرار النظام في منعهم من دخول قراهم بريف اللاذقية، وتحويلها إلى مقرات لإقامة عناصر من المليشيات الإيرانية في الريف الممتد نحو 50 كيلومترا على طريق حلب، كما وأدى توقيف القوات الروسية أنشطة “المركز الثقافي” الإيراني، ومركز “جامع الرسول الأعظم للتنمية والدعم”، وغيرها من المؤسسات الإيرانية باللاذقية إلى توقف المساعدات التي كانت تقدم لأكثر من 4 آلاف عائلة علوية، إلى تركيز تلك المؤسسات جهدها على القرى الشيعية مثل “اشتبرق” و”كفرية” و”الفوعة”.

وفيما يتعلق بعمليات تجارة المخدرات الظاهرة التي انتشرت بشكل فاضح مؤخرا واصبحت مناطق النظام من اكثر وانشط المناطق العالمية تجارة بالمخدرات وبحسب التقديرات وصل حجم الاتجار بالمخدرات إلى 16 مليار دولار سنوياً، وهذا ما يوازي ضعفي ميزانية حكومة نظام الأسد، أي إنه قطاعٌ كبيرٌ وبدأ ينشط بدعم من نظام الأسد وحلفائه خاصة مليشيا “حزب الله” التي تعتمد منذ زمن على تجارة المخدرات، فيما كانت سوريا من قبل ممراً لعبور المخدرات القادمة من إيران وأفغانستان ولكن الآن الأمر اختلف في ظل تحالف نظام الأسد الوثيق مع إيران والجماعات الموالية لها مثل “حزب الله”، ووجود مافيا حقيقية لتجارة المخدرات من قبل نظام الأسد تستفيد من هذا الموضوع اقتصادياً بالدرجة الأولى، بالاضافة لاهداف اخرى ابرزها السعي لتهريبها نحو مناطق الشمال السوري، فيما تواردت تقارير أن نظام الأسد ينشر المخدرات ويريد ثمنها أسلحة لإفراغ المنطقة من سلاحها، كما يحاول أن يستهدف عناصر بالجيش الوطني السوري والفصائل ليصبحوا أكثر طوعية لها وليكونوا جواسيس لتسهيل عملية ما يسميها “المصالحة” لاحقاً، اضافة الى انها تشكل  وسيلة لاستعباد المجتمع والسيطرة عليه ووسيلة للالتفاف على العقوبات وبناء اقتصاد غير رسمي مافيوي يدر على نظام الأسد ملايين الدولارات. على سبيل المثال الشحنة التي تم ضبطها في العام 2020 في إيطاليا وفاجأت العالم حينها، حيث ضبطت السلطات 84 مليون حبة كبتاغون، وقيل حينها إن مصدرها داعش ربما، ولكن فيما بعد وردت الكثير من التقارير الغربية التي أكدت أن مصدر تلك الشحنة نظام الأسد.

ويتواجد في مناطقه بحسب الكثير من الإحصاءات أكثر من 50 معملاً لتصنيع الكبتاغون، حيث تحولت مصانع الكيمياويات في مدينتي حلب وحمص إلى مصانع لهذه الأقراص، إذ يوجد قرابة 14 مركزاً لتصنيع الكبتاغون، و12 مركزاً لتصنيع الكريستال ميث، و23 مركزاً لتصنيع الحشيش، وقد استطاع نظام الأسد اختراق المناطق الخارجة عن سيطرته مستغلاً حالة الضعف الأمني، وقام بتجنيد بعض الخلايا وإنشاء الشبكات التي تروّج وتصنّع المخدرات، والتي تقوم أيضاً بجمع المعلومات. ومع الانهيار الاقتصادي الذي تشهده سوريا نتيجة سياسات نظام الأسد فقد تراجعت الأنشطة الاقتصادية التقليدية لصالح تنامي أنشطة تصنيع المخدرات الذي أصبح قطاعاً مربحاً، تعود عائداته إلى جيوب أولئك المرتبطين بنظام الأسد وحلفائه الأجانب وأمراء الحرب الجدد، ومن جهة أخرى تمت مكافأة العديد من المتورطين في إدارة شبكات التجارة، وأصبح عدد منهم أعضاء في “مجلس الشعب” بدعم من النظام، وهو ما أمّن لهم حصانة سياسية من شأنها أن تسهّل أعمالهم غير القانونية، وكشف تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” أن معظم عمليات إنتاج وتوزيع المخدرات تتم بإشراف الفرقة الرابعة المدرعة في جيش نظام الأسد، وهي قوة نخبة يقودها ماهر الأسد، الأخ الأصغر لبشار الأسد وأحد أكثر الشخصيات نفوذاً في سوريا، كما ينخرط في هذه التجارة مجموعة رجال أعمال يتمتعون بصلات وثيقة بنظام الأسد وميليشيا “حزب الله” اللبنانية، وأعضاء آخرون من أسرة الأسد يحظون بحماية نظام الأسد في ممارسة الأنشطة غير المشروعة، ووفق تحقيق لصحيفة “تايمز” البريطانية استند إلى إفادات مسؤولين أمنيين في عشر دول وخبراء في تجارة المخدرات، واستخدام المرافق والمخازن والمرافئ المتصلة بممرات الشحن في البحر الأبيض المتوسط، وطرق تهريب برية إلى الأردن ولبنان والعراق خضعت لحماية أمنية من الدولة.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الأسد أصبح انتشار حالات التعاطي والإدمان بين طلاب المدارس بكل مستوياتها أمراً شائعاً جداً، سواءٌ المدارس الإعدادية والثانوية وبعض النوادي الرياضية، وانتقل الأمر ليصبح ظاهرة شائعة في الجامعات، لاسيما بين الطلاب في جامعة دمشق وفي مدينتها الجامعية، وسط غياب أي اهتمام حكومي حقيقي بضبط هذه الظاهرة وحماية الأطفال أو الشباب، وتشير بعض الشهادات إلى أن ثمّة سياسة تسعى إلى توريط الأطفال والمراهقين بتشجيعهم على الإدمان بداية، عبر تقديم عينات مجانية لهم من قبل زملائهم المتورطين، ثم تحويلهم إلى مروّجين وبائعين، وتنتشر هذه الظاهرة بين الطالبات اللواتي يتم استغلالهن في عمليات النقل والترويج والبيع، بالإضافة إلى الاستغلال الجنسي، كما ركز نظام الأسد جهوده واستخدم المخدرات سلاحاً لزعزعة أمن المناطق الخارجة عن سيطرته؛ وذلك من خلال تجنيد بعض الخلايا هناك، سواءٌ في مناطق سيطرة المعارضة السورية أو في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية- قسد”، وكذلك المناطق التي خرجت عن سيطرته في وقت سابق وتمكن من استعادتها، أو تلك التي لم يضمن ولاءها؛ فقد نشطت عصابات تهريب المخدرات في كل من محافظتي السويداء ودرعا، وأصبحت هذه الخلايا مركزاً لنقل المعلومات، ولزرع المتفجرات، ولعمليات الاغتيال، فضلاً عن كونها وسيلة لزعزعة الأمن الاقتصادي والاجتماعي ومنع هذه المجتمعات من التعافي.

مناطق الاكراد:

تسيطر “قوات سورية الديمقراطية” على منطقة شرقي الفرات ومناطق غربي النهر، أي ما يشكل نحو ثلث سورية، ومن الملاحظ أن الفلتان الأمني يبدو أقل في المدن والبلدات ذات الأكثرية الكردية من السكان، تحديداً في عين العرب، وفي عموم محافظة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي للبلاد، التي لا يزال النظام يحتفظ بوجود عسكري وأمني وخدمي في بعض أجزائها، ويبقى مخيم الهول في ريف الحسكة، الذي يضم عائلات مقاتلين من تنظيم “داعش”، النقطة الأكثر سخونة في منطقة شرقي نهر الفرات، مع تحوّله إلى بؤرة للجريمة المنظمة والاغتيالات، وسبق لقوات “قسد” أن أوقفت عشرات الأشخاص من القاطنين في المخيم، عقب حملة أمنية واسعة النطاق شارك فيها خمسة آلاف عنصر من “قوات سورية الديمقراطية”، والشرطة الداخلية التابعة للإدارة الذاتية (الأسايش)، في وقت تواصل خلايا تنظيم “داعش” عملياتها في مناطق نفوذ الإدارة الذاتية، والمتمثلة بشن هجمات مسلحة وتنفيذ اغتيالات بأشكال مختلفة كإطلاق الرصاص والقتل بأداة حادة وزرع عبوات ناسفة وألغام، بالتزامن مع حملات أمنية لقوات سوريا الديمقراطية وبدعم من التحالف الدولي محاولةً الحد من نشاط التنظيم وخلاياه في مناطق سيطرتها، و لكنها قسد تتهم بإهمال الجانب الأمني بالرغم من ذلك بشكل مقصود وممنهج في مناطق ديرالزور والرقة من خلال غضّ الطرف عن عناصر تنظيم داعش المتوارين عن الأنظار والمتواجدين في المنطقة، ومنهم قيادات في التنظيم، قامت هذه العناصر بتجميع نفسها وترتيب صفوفها وتحويل طبيعة عملها من نظام الأفراد «الذئاب المنفردة» إلى العمل ضمن المجموعات، فقسد أطلقت العنان للتنظيم ليفعل فعلته بالمنطقة وأهلها لتكون قسد الرابح الأكبر وتكون شعوب المنطقة الخاسر الأكبر والأوحد في لعبة الصراع هذه.

ولا يزال الفلتان الأمني السمة الأبرز في مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد)، خصوصاً في محافظتي الرقة ودير الزور السوريتين، اللتين تكثر فيهما حوادث القتل ومحاولات الاغتيال التي تطاول وجهاء، في المقابل، تصرّ هذه القوات على أن خلايا من تنظيم “داعش”، ومجموعات مرتبطة بالنظام السوري، تؤدي الدور الأبرز في إبقاء الوضع الأمني مشتعلاً في المنطقة، بالاضافة الى الخلافات العشائرية التي تحصل من حين إلى آخر في المنطقة، دون ان تقوم قوات قسد ببذل جهداً كافياً لتطويق هذه الخلافات قبل تطورها اكثر، حسبما ذكرت مصادر محلية، مشيرة إلى أن هذه القوات تحاول البقاء بعيداً عن أي خلاف عشائري، خصوصاً أن المنطقة متميزة بكثرة عشائرها وتعدد خلافاتها وانقساماتها، ولكن الوعي الموجود لدى أغلب أبناء العشائر هو ما يمنع تطور أي نزاع، كاشفة أن شيوخ العشائر ووجهاءها “يتدخلون دائماً لوضع حد لأي خلاف خشية تمدده”.

كما أن النظام ومعه حليفه الايراني أدّيا دوراً مهماً في رسم خريطة الصراع والفوضى الامنية في المنطقة من خلال خلاياهما في المنطقة، فقد نفذوا عدة أنشطة وعمليات فيها لتحقيق أهدافهم محدثين نوعاً من الفلتان الأمني في المنطقة من خلال خلاياهم السرية والموالية لهما المتواجدة في مناطق شرق الفرات الواقعة تحت سيطرة قسد، وفيمايلي يمكن تلخيص أبرز أسباب الفوضى الأمنية في مناطق سيطرة قوات قسد:

  • عدم جدية “قسد” في إرساء الأمن.
  • محلات تجارة الأسلحة المنتشرة في ريف دير الزور.
  • عناصر تنظيم “داعش” الذين يتجولون في وضح النهار.
  • تعامل قيادات من “قسد” مع النظام السوري في التجارة والتهريب عبر المعابر النهرية التي تصل بين ضفتي النهر.
  • الخلايا النائمة للنظام والمليشيات الإيرانية بقصد زعزعة الأمن وخلق الفوضى بمناطق قوات قسد
  • الفساد بين عناصر هذه القوات بسبب قلة الرواتب.
  • الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للمنطقة حيث النفط والغاز والقمح وغيرها من الموارد الهامة والتي تُعدّ من أغنى مناطق البلاد، والعمق الاجتماعي والعشائري لسكانها ودورهم المؤثر والفاعل في لعبة الصراع .
  • الاستفادة من المعطيات السابقة في قضية التفاوض بين مختلف الأطراف المتصارعة والمتنافسة في المنطقة وخاصة بين قسد والنظام .
  • الاستفادة من الفلتان الأمني في إبعاد النخب عن المشهد السياسي والإداري التخلص من قيادات الثورة المتواجدين في المنطقة الذين مازالوا يتمسكون بالثورة فكراً وسلوكاً و..، وتقديم النخب الفاسدة والمنتفعة والتي تتقاسم مع قسد المصالح والنفوذ والمكاسب.
  • يُعدُّ الملف الأمني من أهم العوامل المساعدة لسياسات الأطراف الفاعلة واللاعبة لتمرير سياستها وأجندتها في المنطقة فمن خلاله تفرض هذه الأطراف سياسة الأمر الواقع.

 

على صعيد آخر تواصل ما يعرف بـ “الشبيبة الثورية” أو “جوانين شورشكر”، استقطاب القاصرين وضمهم لمعسكراتها، في انتهاك صارخ وواضح لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، فلا مطالبات الأهالي بإيقاف عمليات استغلال الأطفال وتجنيدهم لحمل السلاح ولا تلك المواثيق والاتفاقيات، استطاعت من الوقوف في وجه الشبيبة التي لاتزال تسرق الطفولة، حارمة الأطفال من حقهم في التعليم.

إنسانيا:

مناطق المعارضة:

يحتاج أكثر من 6.5 مليون طفل سوري إلى المساعدة، وهو أعلى رقم جرى تسجيله منذ بداية الأزمة السورية المستمرة لأكثر من 11 عام، في وقت لا تزال نهاية الأزمة في سوريا بعيدة المنال، و يحتاج 13.4 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية، وهذا يشمل 3 ملايين شخص معاق و 7 ملايين نازح داخليًا، هذا الازدياد الكبير ناتج عن أزمة اقتصادية حادة، والتي لا تؤدي إلا إلى تفاقم تأثير الأعمال العدائية الإقليمية المكثفة والنزوح الجماعي والبنية التحتية للخدمات العامة المدمرة على نطاق واسع ووباء COVID-19.

ففي هذا الوقت يعيش 90 % من السكان تحت خط الفقر، حيث تفقد الليرة السورية 78 في المائة من قيمتها، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 236 % في عام 2020، وفقط ثلث المدارس ونصف المراكز الصحية تعمل بكامل طاقتها و 36 % من السكان يعتمدون على مصادر المياه البديلة (92 % لديهم إمكانية الوصول إلى خدمات المياه الأساسية قبل الأزمة)، كما انه هناك 90.000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد و 4.5 مليون طفل خارج المدرسة و 1.6 مليون معرضون لخطر التسرب لاسباب عدة، كما تؤدي الأزمة الاقتصادية إلى تفاقم آليات التكيف السلبية وتساهم في تطبيع العنف القائم على النوع الاجتماعي ، والذي يؤثر في الغالب على النساء والفتيات.

وتتاثر المنطقة بغلاء كبير لكافة المواد الاساسية وندرة بعضها وفقا للازمة الاقتصادية العالمية، والحرب الاوكرانية واثرها الكبير على قطاع الحبوب والنفط، بالاضافة الى تاثرها ايضا بالوضع الاقتصادي في تركيا والانخفاض الكبير في سعر تصريف الدولار عقب اعتماد الليرة التركية كعملة رسمية واساسية في التداولات، بالاضافة الى التقليص التخفيض المتكرر في قيمة المساعدات الانسانية سنة تلو الاخرى على الرغم من كل المطالبات بزيادة المخصصات والمساعدات الانسانية للتناسب مع مع الاحتياج والتضخم الحاصل، كل ذلك أثر على المنطقة بشكل كبير من الناحية الاقتصادية والانسانية.

مناطق النظام:

لم يكد النظام السوري يلتقط أنفاسه عسكريا بعد استعادة سيطرته على أجزاء واسعة من الأراضي السورية بمساندة حلفائه الروس والإيرانيين في أواخر عام 2019 حتى وجد نفسه في خضم مواجهة من نوع آخر؛ فقد فرضت الولايات المتحدة قانون عقوبات جديدا على النظام السوري يحمل اسم “قيصر” دخل حيز التنفيذ في منتصف حزيران 2020، وشملت العقوبات الاقتصادية أشخاصا بارزين من النظام والأفراد المقربين منه، كان من بينهم بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس وابنه الأكبر حافظ الأسد، ورأى مراقبون أن قانون قيصر كان ضربة قاصمة للنظام لا سيما أنه شمل قطاعات حيوية ومؤسّسات وكيانات كان النظام يعوّل عليها لإنعاش الاقتصاد الذي انهكته أعوام الحرب، وانعكس صدى قانون قيصر على الاقتصاد السوري قبل أن يدخل حيّز التنفيذ بأسابيع؛ فبلغ سعر صرف الدولار 3500 ليرة بعد أن كان بـ1500 ليرة، وشهدت الأسواق السورية أكبر موجة غلاء منذ بداية الأزمة الاقتصادية في عام 2011؛ شملت معظم السلع الرئيسة الغذائية والاستهلاكية، وتشهد اليوم مناطق سيطرة النظام أسوأ واقع معيشي وخدمي منذ بداية الأزمة الاقتصادية في البلاد قبل عقد من الزمن، حيث يواجه السوريون أزمات معيشية وخدمية طاحنة من انقطاع طويل للتيار الكهربائي وارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الرئيسة وتدنّي في القوة الشرائية للرواتب في القطاعين العام والخاص.

وبلغ متوسّط رواتب الموظفين السورين في القطاعين العام والخاص في مناطق سيطرة النظام 120 ألف ليرة (30 دولارا) بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 19 لعام 2021 -السابق على إجراء رفع الدعم- الذي قضى برفع أجور العاملين والموظفين بنسبة 50% في منتصف يوليو/تموز 2021، ورأى مراقبون أن المرسوم الرئاسي القاضي برفع الأجور لم يكن إلا تمهيدا للقرار الحكومي برفع الدعم شيئًا فشيئًا عن المواد الاستهلاكية والغذائية الرئيسة التي تقدمها عبر ما يسمى “البطاقة الذكية” من دون أن تتخذ أي إجراءات مباشرة في هذا السياق، وإنما اكتفت برفع أسعار تلك المواد من خبز وبنزين ومازوت متذرعة بالضغوط الاقتصادية الناجمة عن جائحة “كوفيد-19” والعقوبات الغربية المفروضة عليها، كما ان المجتمع المدني ضمن مناطق النظام لم تكن بمعزل ايضا عما يحصل من ازمات عالمية اثرت بشكل كبير على من ناحية غلاء غالبية السلع الاساسية وندرة بعضها، بالاضافة الى الدخل المحدود والضئيل مقارنة بمقدار التضخم الاقتصادي الحاصل.

مناطق قسد:

تعيش “الإدارة الذاتية” الكردية، التي تسيطر على مناطق واسعة من شمال وشرق سورية، أزمات اقتصادية متراكمة، مع تراجع لافت في مستوى المعيشي والخدمي لهذه المناطق، ما أدى لاندلاع احتجاجات واسعة في مدن وبلدات عدة، خاضعة لسيطرتها في محافظتي الحسكة وديرالزور، ولاحقاً الاحتجاجات في منبج، والأهالي في هذه المناطق، يُجمعون على سوء الخدمات الطبية والصحية والخدمية والاقتصادية، في مناطق سيطرة “قسد”، رغم سيطرة الأخيرة على غالبية منابع النفط والغاز في البلاد، مع إلزام الفلاحين بتسليم محاصيلهم الاستراتيجية إلى مراكزها، ومنعهم من الوصول إلى المراكز الحكومية.

مع ذلك، تعيش هذه المناطق، أزمات اقتصادية خانقة، تتمثل بانقطاع الكهرباء والمياه، وشح في المحروقات والغاز، مع ارتفاع في نسب البطالة، وغياب أي مشاريع فاعلة، لإعادة إعمار المناطق التي دمرها “التحالف” الدولي، قبل دخول “قسد” إليها، وتتهم مصادر حكومية وأهلية، “الإدارة الذاتية”، بسرقة وتهريب المحروقات إلى خارج البلاد، مع تهريب الأقماح، وهو ما خلق أزمة في إنتاج رغيف الخبز، في كافة مناطق سيطرتها في سوريا، وتسعى “قسد”، لامتصاص هذه الاحتجاجات، عبر تنظيم لقاءات مع الأهالي، ونشر بيانات، تدعوهم لعدم الانجرار وراء الأيادي الخارجية، مع التعهد بتحسين الواقع الاقتصادي والخدمي للمنطقة

ويبدو أن الواقع المعيشي المتردي مع غياب الخدمات شكل نوعًا سيئًا من المعاناة التي يشتكي معظم سكان الشمال الشرقي منها في ظل فساد مستشرٍ تعيشه معظم المؤسسات المدنية والإدارية، التابعة للإدارة الذاتية، التي لا تخلو من عمليات نهب واختلاس الأموال.

على الرغم من حسن تعامل السلطات المحلية المتمثلة بالإدارة الذاتية في تقديم الخدمات الطبية والتعليمية للمدنيين، فإن الأمر يختلف في محافظة الرقة وديرالزور، بسبب انهيار المنظومة التعليمية بشكل غير مسبوق وارتفاع أعداد المتسربين من الأطفال وعمالة البعض منهم لأسباب متعددة أبرزها سياسة الإدارة الذاتية في المحافظة، وفرض الإدارة الذاتية لمناهجها الخاصة باللغة الكردية، ساهم في عزوف الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى المدرسة، مع فشل الكوادر التعليمية بسبب تزوير الشهادات، التي يعمل بها معظم الكوادر التعليمية”.

كما ينتشر الفساد والمحسوبيات في جميع المؤسسات الرسمية والخدمية وفي معظم الأحيان تميل الكفة إلى الكرد الذين يعاملون من الإدارة الذاتية بشكل خاص، دون القوميات الأخرى سواءً العربية أم السريانية وغيرها، التمييز الذي تستخدمه قسد بين منطقة وأخرى تسبب في شرخ كبير بين المجتمعات المحلية من العرب والكرد الذين يحصلون على امتيازات أفضل من كونهم عرب من الدرجة الثانية.

وفي ظل الفساد المستشري في المؤسسات المدنية بمحافظات الرقة ودير الزور والحسكة إلا أن الأهالي باتوا في خوف شديد من قسد التي تستخدم سياسة تكميم الأفواه والضغط وممارسة العقوبة لمن لا يقبل بها كسلطة محلية، تبدو الحياة في شمال شرق سوريا أشبه بروتينية في حين تستفيد قسد من خيراتها بينما الأهالي لا يستطيعون جني قوت يومهم على أقل تقدير، كما تفرض عليهم الضرائب والتجنيد الإجباري في صفوفها، ما يجعل المنطقة في منعطفات مفصلية لا يحمد عقباها. كما تجتاح مناطق سيطرة “قسد” وسورية عمومًا موجة من البطالة والغلاء، بسبب الانخفاض المستمر في سعر الليرة السورية، فمع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، وزيادة أعداد المواطنين القابعين تحت خط الفقر، والبطالة التي استشرت في صفوف الشباب الراغبين في العمل والقادرين عليه مع عدم توفره، حيث زاد معدل البطالة في مناطق “قسد” من 23% إلى 25%، ما أوجد نوعا من السخط العام لدى شباب المنطقة، لا سيما بأن مناطق نفوذ قسد يتواجد فيها ثروات باطنية وزراعية كبيرة جداً.

وتشهد مناطق نفوذ الإدارة الذاتية في مناطق متفرقة من دير الزور والرقة والحسكة وحلب، احتجاجات عديدة ومتواصلة ضد الواقع الخدمي والمعيشي، حيث تتلخص المطالب الشعبية في تأمين مستلزمات العيش والإفراج عن المعتقلين ومحاربة الغلاء وضد رفع الأسعار وزيادة حصص مناطقهم من المحروقات وتأمين فرص عمل لسكان المنطقة، يأتي ذلك على وقع الأزمات المعيشية التي تعانيها المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية شمال وشرق سوريا، ووعلى وقع الأزمات المعيشية والغلاء الفاحش، تشهد مناطق قسد ظاهرة الهجرة نحو الخارج عبر تركيا.

خلاصة

بقدر ما يحمله هذا التقرير من أرقام وبيانات إلا أن قراءته العامة تفيد بالمزيد من الضعف للحالة الأمنية مستقبلا في جميع المناطق، بالتزامن مع الانهيار الاقتصادي المتصاعد جراء الحرب السورية المستمرة والحرب الاوكرانية وانخفاض قيمة الليرة السورية وحتى الليرة التركية، وعجز القوى الفاعلة وتعثرها في الحد من هذه العوامل التي تساهم في تراجع مؤشرات الأمن والاستقرار على مختلف المستويات ( عسكريا- اقتصاديا- انسانيا)، على الرغم من محاولات بعض أطراف الصراع تطوير أدواتها في ضبط الأمن من خلال الاجهزة الامنية المختصة وزيادة أعداد المنتسبين لتلك الأجهزة وتخريج عدد من الدورات، إلا أنها لا تزال غير قادرة على الوفاء بتعهداتها والتزاماتها ولا تملك القدرة للوصول للهدف المنشود، في ظل استمرار الحرب السورية وضعف اداء اطراف الصراع جراء الوضع الحالي، وغياب المركزية الأمنية والقيادية التي تحكم وتدير تلك المناطق، بالاضافة الى الفوضى، والتدخلات الاقليمية والدولية وغياب التفاهمات التي تنعكس على الواقع.